وهبة الزحيلي
306
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
8 - يكون ثواب الإنفاق أعظم إذا كانت الحاجة إليه أشد بسبب الأزمات والظروف الضيقة ، لذا نفى اللّه سبحانه المساواة بين من أنفق من قبل فتح مكة وقاتل الأعداء ، وبين من أنفق من بعد الفتح وقاتل ، كما قال تعالى : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الحشر 59 / 20 ] لأن المال كان أقل ، والحاجة إلى النفقة أشد ، والمسلمين قلة ، أما بعد الفتح فكثر الخير ، وقلّت الحاجة إلى الإنفاق ، وكثر المسلمون . روى أشهب عن مالك قال : ينبغي أن يقدّم أهل الفضل والعزم ، وقد قال اللّه تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ . وقال الكلبي كما تقدم : نزلت في أبي بكر رضي اللّه عنه ، ففيهما دليل واضح على تفضيل أبي بكر رضي اللّه عنه وتقديمه ، لأنه أول من أسلم . قال ابن مسعود : أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر ، ولأنه أول من أنفق على نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم . والتقدم والتأخر يكون في أحكام الدنيا والدين ، فقد قالت عائشة رضي اللّه عنها : أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم ، وأعظم المنازل مرتبة الصلاة . وقال صلى اللّه عليه وسلم في مرضه فيما رواه الشيخان والترمذي وأبن ماجة عن عائشة : « مروا أبا بكر فليصلّ بالناس » و قال فيما رواه أحمد عن أنس : « يؤمّ القوم أقرؤهم للقرآن » و قال فيما رواه الجماعة عن مالك بن الحويرث : « وليؤمّكما أكبركما » وقال مالك : إن للسن حقا ، وراعاه الشافعي وأبو حنيفة ، وهو أحق بالمراعاة ، لأنه إذا اجتمع العلم والسن في خيّرين قدّم العلم . وأما أحكام الدنيا فهي مرتّبة على أحكام الدّين ، فمن قدّم في الدين قدّم في الدنيا . و في الحديث الثابت الذي رواه الترمذي عن أنس : « ما أكرم شاب شيخا لسنّه إلا قيّض اللّه له من يكرمه عند سنّه » . و روى الترمذي أيضا عن أنس : « ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا » و في رواية لأحمد والترمذي والحاكم عن ابن عمرو : « ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف شرف كبيرنا »